السبب ليس النموذج دائمًا: ما الذي يعيق نجاح مشاريع الذكاء الاصطناعي؟
أعمل مديرًا للتسويق في شركة قررت قبل مدة اعتماد نظام ذكاء اصطناعي في تصميم المحتوى الإبداعي وإنتاجه. توليت إدخاله إلى الفريق، وبدأنا بحماس واضح، لكن المخرجات جاءت أقل من التوقعات: مواد عامة لا تناسب ثقافة الشركة، ونصوص تحتاج إعادة كتابة أكثر مما تحتاج مراجعة.
ومع الوقت استقر الفريق على وضع لم نعلنه صراحةً: نفتح النظام في المهام الهامشية، ونعود إلى طريقتنا المعتادة في أي عمل يُعرض على العميل. وخرجت بانطباع أن النموذج الذي يقوم عليه النظام لا يناسب طبيعة عملنا.
ثم التقيت صديقًا قديمًا يعمل في مجال قريب، فذكر أن شركته أدخلت نظامًا مشابهًا في الفترة نفسها. سألته عن النموذج فإذا هو النموذج نفسه الذي نعمل به، وسألته عن النتائج فوصف لي شيئًا لم أسمعه من فريقي: النظام صار جزءًا من إنتاجهم اليومي، ومخرجاته تخرج قريبة مما يريدون من المحاولة الأولى.
النموذج واحد، والنتيجة مختلفة. وحين فكرت فيما سمعته أدركت أن الفارق لم يكن في النموذج الذي اختارته كل شركة، لكنه كان في النظام الذي بُني حول النموذج وحوَّله من أداة يفتحها من يريد إلى خطوة أساسية داخل مسار العمل.
دفعني هذا إلى التفكير في الصورة الكبيرة: هل نُعلق عدم نجاح مشاريع الذكاء الاصطناعي على النموذج بينما قد لا يكون هو السبب؟ وكيف نعرف الحد الفاصل بين الاثنين؟
النموذج جزء من نظام، لا النظام كله
يمر العمل بأي نظام ذكاء اصطناعي داخل شركة بأربع محطات أساسية:
- المدخلات: تحمل إلى النموذج المعطيات التي يحتاجها.
- النموذج: يعمل على ما وصله ويُخرج نتيجة.
- الوجهة: تذهب النتيجة إلى مكان بعينه.
- الإجراء: يُبنى على النتيجة قرار أو إجراء، أو لا يُبنى شيء.
النموذج محطة واحدة من أربع، وهي المحطة الوحيدة التي تشتريها جاهزة. أما ما يصل إليه، وإلى أين يذهب ناتجه، وماذا يترتب عليه، فهذا كله يُبنى داخل شركتك، سواء بناه فريقك أو بناه مورّد تقنية نيابةً عنك. في هذه المحطات الثلاث، وفي القرارات التي تسبق بناء النظام، توجد أغلب أسباب عدم النجاح.
إليك أهم 5 أسباب يمكن أن تؤثر على نجاح نظام الذكاء الاصطناعي بعيدًا عن النموذج:
تحديد المشكلة الخاطئة المطلوب حلها من نظام الذكاء الاصطناعي
نشر مركز الأبحاث RAND دراسة عن عن أسباب عدم نجاح مشاريع الذكاء الاصطناعي، اعتمدت على مقابلات مع 65 مهندسًا وعالم بيانات لديهم خمس سنوات خبرة على الأقل في بناء هذه الأنظمة، وسُئل كلٌّ منهم عن أسباب عدم النجاح كما عاينها في تجربته.
جاء في مقدمة هذه الأسباب سبب يسبق كتابة أول سطر برمجي: أن يُبنى النظام لحل مشكلة غير التي تهم الشركة فعلًا. والنظام هنا لا يتعطل ولا يُخطئ، بل ينفذ ما طُلب منه بدقة، وهنا مربط الفرس، فما طُلب منه لم يكن هو الغرض المنشود أصلًا من بناء النظام.
يقع الخلل في المسافة بين ما تريده الإدارة وما يفهمه الفريق التقني الذي سيبني النظام، سواء كان فريقًا تقنيًا داخليًا أو مُورد تقنية خارجيًا. فالإدارة تُوضح هدفها بلغة العمل، والفريق التقني مضطر إلى ترجمة هذا الهدف إلى مقياس رقمي يمكن تدريب النموذج على تحسينه، وفي هذه الترجمة تحديدًا يضيع المقصد.
تضرب الدراسة مثالًا: إدارة تطلب نظامًا يحدد سعر المنتج، بينما ما تحتاجه فعليًا هو السعر الذي يحقق أعلى هامش ربح، لا السعر الذي يبيع أكبر عدد من الوحدات. الفريق التقني لا يملك هذا السياق التجاري، فيبني على افتراض غير صحيح، ويخرج النموذج سليمًا تقنيًا ومحسنًا (Optimized) لمقياس غير مرغوب فيه من البداية.
والنتيجة أن الخلل لا يظهر إلا بعد التشغيل، حين يدخل النظام في العمل اليومي فلا يتغير شيء في الأرقام التي تهم الشركة. لذا عند بناء نظام ذكاء اصطناعي لشركة، من المهم أن يقضي فريق التطوير، سواء كان فريقًا داخليًا أو مُورد خارجي، عدة اجتماعات مع الإدارة، وأن يكون جاهزًا بفهم عميق للسوق واحتياجاته مع توجيه أسئلة مباشرة لاستيضاح أي نقاط قد تساهم في نجاح النظام تشغيليًا.
المبالغة في توقعات الإدارة عن قدرة النظام ومدة إنجازه
وفقًا لدراسة RAND التي ذكرناها في الفقرة السابقة، جاءت قرارات الإدارة وتوقعاتها في مقدمة أسباب عدم النجاح التي ذكرها المهندسون، وتمثل ذلك في أمرين.
الأول هو أن النظام سيؤدي عملًا ما بصورة كاملة، لكن الواقع أنه يؤدي جزءًا محددًا حسب طبيعة بنائه، ويظل بحاجة إلى مراجعة من أشخاص يكونون مسؤولين عن القرارات النهائية ويتخذون الإجراءات الصحيحة. عندما يُترك كل شيء للنظام فإنه قد يرتكب أخطاءً، ويُقال لاحقًا إن النظام لم ينجح في تأدية المطلوب منه.
الثاني هو توقع أن كل شيء سيحدث سريعًا، فتنتظر الإدارة نتيجة خلال أسابيع مثلًا، بينما يحتاج المشروع شهورًا ليحقق أفضل نتيجة ممكنة. وهنا تضغط الإدارة على فريقها أو مورّد التقنية للتسليم في موعد مبكر، فيسلمون شيئًا لم يكتمل وتظهر أخطاؤه بعد الاستلام. أو ربما تغيّر الإدارة أولوياتها عندما تطول المدة، وتترك المشروع قبل أن يكتمل، ويُذكر لاحقًا بوصفه محاولة لم تنجح، مع أنه لم يُمنح الوقت حقًا.
نقص البيانات لنظام الذكاء الاصطناعي
توفير البيانات ضروري لبناء مشاريع الذكاء الاصطناعي، وهنا تظن الشركة أنها تملك بيانات جاهزة يمكن الوصول إليها بسهولة، لكن في كثير من الأحيان لا تكون هذه البيانات كافية لبناء النظام.
السبب في ذلك أن الشركات غالبًا تجمع بياناتها عادةً لأغراض توثيقية أو محاسبية، وبالتالي فهي تركز على تسجيل الأحداث لا لماذا تحدث أصلًا. مثلًا تملك الشركة سجل بالطلبات السابقة، لكنه لا يوضح مثلًا ما الخيارات الأخرى التي عُرضت على العميل، ولا الدوافع التي جعلته يختار هذا تحديدًا. وحين يُبنى النظام على هذه السجلات، فإنها توفر أرقامًا كثيرة بالفعل، لكن بسياقات محدودة لتفسير هذه الأرقام.
بالإضافة لأن هناك نوعًا آخر من المعرفة لا يمكن تنظيمه بسهولة، وهو المعرفة الضمنية التي يعمل بها الفريق ولم تُكتب سابقًا في أي مكان، ولم تُوثّق في أي أدلة. والنظام لا يستطيع استخدام شيء لا وجود فعلي له، ما يجعل نتائجه أحيانًا أقرب إلى القواعد العامة منها إلى طبيعة عمل الشركة تحديدًا.
عدم تعديل مسار العمل بعد إضافة النظام
أجرت مؤسسة ماكنزي استبيانًا في عام 2026، شمل أكثر من 1,700 مشارك من 97 دولة، وفيه فحص الباحثون الفروق بين الشركات التي حققت أثرًا فعليًا من الذكاء الاصطناعي وبين غيرها. وكان من أوضح الفروق أن هذه الشركات تعيد تصميم مسار عملها جذريًا ليستوعب النظام بدلًا من تضمينه في المسار الحالي فقط.
مسار العمل يعبر عن تسلسل الخطوات التي تُنجز بها المهمة، وعندما تطور شركة نظامًا، لكنها لا تغير في تسلسل عملها لاستيعابه، فإنه يتحول إلى عبء على الموظفين كخطوة إضافية قد ينسونها، بدلًا من أن يندمج في التسلسل.
يظهر هذا الفارق في تفصيل يبدو صغيرًا: أين تظهر نتيجة النظام؟ لنفترض نظامًا يرتب العملاء المحتملين بحسب أرجحية إتمام الصفقة. الموظف يقضي يومه داخل برنامج إدارة العملاء. فإن كان الترتيب يظهر في لوحة منفصلة خاصة بالنظام، فعليه أن يترك ما بين يديه، ويفتح اللوحة، ويقرأ الترتيب، ثم يعود ليكمل عمله.
هذه خطوة زائدة على مساره اليومي، سيؤديها في الأسابيع الأولى بدافع الحماس أو التزامًا بتعليمات الإدارة، ثم يتخطاها في يوم مزدحم، ثم يتخطاها لأنه لم يعد يذكر أنها موجودة. أما إن كان الترتيب يظهر داخل قائمة العملاء نفسها التي يفتحها كل صباح، فالنتيجة تصله في موضع نظره دون أن يطلبها. لا مكان ينتقل إليه، ولا خطوة يتذكرها، ولا قرار يتخذه بأن يستخدم النظام اليوم أو لا يستخدمه.
عدم تهيئة الفريق الذي سيعمل مع النظام
يصل النظام إلى موظفين لهم طريقة عمل، ويُحدث تغييرًا فيها، لذلك فإن تهيئتهم جزء أساسي من إمكانية نجاحه. التهيئة هنا ليست فقط تدريبًا على الأزرار والشاشات، إنما تشمل ما هو أكبر من ذلك.
تبدأ التهيئة الحقيقية بالوضوح، فالفريق بالتأكيد سيسأل نفسه عن موقعه بعد أن يعمل النظام، وإن لم يجد جوابًا صريحًا من الإدارة قد يفترض أسوأ الاحتمالات كالاستغناء المحتمل عنه قريبًا. لهذا هو يحتاج أن يعرف ما الذي سيتغير بالضبط؛ أي جزء من عمله لم يعد يؤديه، وأي جزء صار يؤديه بطريقة مختلفة، وما الجديد الذي أُضيف إليه.
ويستمر التأهيل بتقديم التدريب اللازم لاستخدام النظام بالطريقة الصحيحة، والتأكد من أن الموظف يعرف حدوده كما يعرف إمكاناته، فيميز ما يعتمد عليه فيه مما يحتاج مراجعته.
حين لا تحدث هذه التهيئة بكل جوانبها، لا يظهر الموظف رفضًا صريحًا للنظام، لكنه يقاوم وجوده. يستخدمه فقط مجبرًا حين يُطلب منه ذلك أو في المهام السهلة، ويعود إلى طريقته القديمة في الحالات الأكثر أهمية، لأنه يعرف نتيجة طريقته ويستطيع الدفاع عنها، بينما لا يعرف تفاصيل كافية عن النظام فلا يجازف بالاعتماد عليه. وعندما يُقيّم النظام في هذا السياق يبدو كأنه لا يضيف قيمة حقيقية للشركة.
متى يكون النموذج هو السبب حقًا؟
لا ننكر أن النموذج يمكن أن يكون السبب في عدم النجاح بالنهاية، فلا يزال هناك ما تعجز عنه التقنية فعلًا، وأوضح مثال على ذلك هو أداء المهام الطويلة.
نشرت منظمة METR، وهي جهة بحثية مستقلة تقيس قدرات نماذج الذكاء الاصطناعي الرائدة (Frontier models)، دراسةً في مارس 2025 اتبعت فيها طريقة مختلفة في التقييم. فبدلًا من أن تسأل النموذج: هل تنجح؟ سألته: إلى أي طول من المهام تنجح؟ وقاست طول المهمة بمقياس مفهوم لأي مدير، وهو الزمن الذي يستغرقه خبير بشري في إنجازها.
والنتيجة أن قدرة النموذج لا تنقطع فجأة، بل تتآكل كلما طالت المهمة: الدقائق الأولى يجتازها، ثم يتراجع نجاحه مع الامتداد. ولخصت الدراسة ذلك في رقم واحد هو «أفق المهمة»: طول المهمة التي ينجح فيها النموذج في نصف المحاولات. وكان هذا الأفق نحو خمسين دقيقة عند صدور الدراسة، غير أنه ظل يتضاعف كل سبعة أشهر تقريبًا، حتى تجاوز أربع عشرة ساعة مطلع 2026.
فانظر إلى المهمة التي تريد أن يؤديها النظام واسأل: كم تستغرق من موظفك المتمكن؟ ثم اقرأ الجواب بشرطين:
- الأول أن هذا الأفق يقيس نجاحًا في نصف المحاولات، ونصف المحاولات لا تُدار به عملية إنتاجية، والمهمة التي يبلغها النظام عند نسبة نجاح تصلح للعمل أقصر من ذلك كثيرًا.
- الثاني أن القياس أُجري على مهام برمجية وبحثية محددة النتيجة، بينما تحمل مهام شركتك غموضًا وسياقًا وحكمًا بشريًا لا يقيسه هذا المعيار. فإن تبين أن المهمة أطول مما يحتمله النموذج فأنت أمام حدٍّ في التقنية نفسها، لا يزيله تبديل نموذج بآخر مشابه ولا معالجة أيٍ من الأسباب الخمسة السابقة. وإن كانت في متناوله وتعثر فيها، فالخلل عندك، وإلى تلك الأسباب تعود.
ختامًا، إن كنت تفكر في بناء نظام ذكاء اصطناعي لشركتك، فقد تفعل مثلنا وتتناقش حول أنسب النماذج، وبالطبع هو سؤال مهم وله إجابة. لكن تذكر أنه سؤال عن محطة واحدة من أربع، ثلاث منها تُبنى داخل شركتك، وتسبقها قرارات تتخذها أنت، وهذه هي التي ستصنع الفارق في نجاح مشروعك.