ماذا تغيّر فعليًا بعد منتدى الرياض لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي؟

ماذا تغيّر فعليًا بعد منتدى الرياض لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي؟
ماذا تغيّر فعليًا بعد منتدى الرياض لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي؟

في 17 سبتمبر 2026، انتهت في الرياض أربعة أيام حافلة بالنقاش حول أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، ضمن أول استضافة عربية لمنتدى اليونسكو العالمي المخصص لهذا الملف. وبين الجلسات والمبادرات التي خرج بها المنتدى، استوقفني إطلاق سدايا خمسة أطر لبناء القدرات في الذكاء الاصطناعي، إلى جانب أربع شهادات وطنية في إدارة البيانات وحوكمتها.

شدّني في هذه الأطر والشهادات أنها تنقل جانبًا من مبادئ الاستخدام المسؤول للبيانات والذكاء الاصطناعي إلى مهارات ومعايير يمكن تعلمها وقياسها، وتمنح المؤسسات مراجع أوضح عند بناء فرقها أو تقييم الكفاءات التي تعمل مع البيانات والأنظمة الذكية.

ومع عدم إعلان هذه الأطر والشهادات حتى الآن كمتطلبات عامة موحدة للتوظيف أو الترقية أو تأهيل الموردين، يبقى السؤال عن كيفية انتقالها من المرجعيات الوطنية إلى ممارسات فعلية داخل المؤسسات، ومؤشرات تحول بعضها مستقبلًا إلى معايير سوق أو متطلبات تعاقدية.

كيف تربط أطر سدايا الجديدة التعليم باحتياجات سوق العمل؟

تحاول سدايا عبر الأطر التي أعلنتها في منتدى الرياض وضع لغة مشتركة بين مراحل كانت تعمل غالبًا وفق مراجع مختلفة. وقراءة هذه الأطر معًا يكشف عن مسار متكامل لبناء القدرات الوطنية في مجال الذكاء الاصطناعي انطلاقًا من التعليم العام، ثم الجامعة، قبل أن يتحول إلى مهارات ومهن ومعايير تدريب داخل سوق العمل.

تبدأ هذه السلسلة من المدرسة عبر إطار كفايات البيانات والذكاء الاصطناعي في التعليم، والذي يحدد بالشراكة مع المركز الوطني للمناهج مخرجات التعلم الأساسية التي تمكّن الطلبة من استخدام البيانات والذكاء الاصطناعي بفاعلية، إلى جانب قواعد للاستخدام المسؤول وحماية الخصوصية تشمل الطلبة والمعلمين.

وعند الانتقال إلى الجامعة يقدم إطار منهج البيانات والذكاء الاصطناعي لطلبة الجامعات في مختلف التخصصات ثقافة مشتركة، تمكّنهم من التعامل مع البيانات واستخدام الذكاء الاصطناعي في معظم المهن، من محاسب يفهم كيف يستخدم أدوات التحليل، ومحامٍ يعرف حدود الاعتماد على نموذج لغوي، إلى مدير يستطيع اتخاذ قرار واعٍ مبني على البيانات.

أما المتخصصون في التقنية، فينظم إطار معايير البرامج الأكاديمية، الذي أُعلن بالشراكة مع هيئة تقويم التعليم والتدريب، حدًا أدنى لمعايير هذه البرامج في البكالوريوس والدبلوم والدراسات العليا، مع ترك مساحة للجامعات لتصميم برامجها وتطويرها ضمن المتطلبات السابقة في الجودة والاعتماد.

وتتضح العلاقة مع سوق العمل عبر إطار المعايير المهنية بالشراكة مع وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية، وهو الإطار الأقرب إلى الشركات وإدارات الموارد البشرية، لأنه يحدد المهن والأدوار في مجالات البيانات والذكاء الاصطناعي، ويصف الأنشطة والمهارات والمعارف والكفاءات المرتبطة بها. 

ولأن الموظف قد يحتاج إلى تطوير مهارة جديدة بعد سنوات من العمل، والخريج قد يبحث عن تدريب تخصصي إضافي، يقدم إطار معايير البرامج التدريبية بالتنسيق مع المؤسسة العامة للتدريب التقني والمهني، مرجعًا لجودة التدريب، يحدد مدى ارتباط محتوى البرنامج باحتياجات سوق العمل، والمتطلبات المهنية، والأنظمة واللوائح والسياسات الوطنية المتعلقة بالبيانات والذكاء الاصطناعي.

عند هذه النقطة تكتمل الصورة. المدرسة تضع الأساس، والجامعة تمنح جميع التخصصات قدرًا مشتركًا من المعرفة، والبرامج الأكاديمية تبني المتخصصين، والمعايير المهنية تصف ما يحتاجه العمل، بينما يعيد التدريب تأهيل الفرد كلما تغيرت المهارات المطلوبة.

من تعريف المهارات إلى إثباتها: لماذا ترتبط شهادات البيانات بأخلاقيات AI؟

بعد أن حددت الأطر السابقة المهارات التي يحتاجها التعليم وسوق العمل، انتقلت سدايا إلى إثبات تلك المعرفة والمهارات عبر أربع شهادات احترافية في إدارة البيانات وحوكمتها، أطلقتها خلال المنتدى نفسه. وهي:

  • محترف تصنيف البيانات المعتمد.
  • محترف حماية البيانات الشخصية المعتمد.
  • محترف إدارة جودة البيانات المعتمد.
  • مقيّم المؤشر الوطني للبيانات «نضيء» المعتمد.

تغطي كل شهادة جانبًا مختلفًا من إدارة البيانات. تؤهل شهادة محترف تصنيف البيانات المختص لتحديد درجة حساسية البيانات ومستوى الحماية والوصول المناسب لها، بينما تركز شهادة محترف حماية البيانات الشخصية على تطبيق القواعد الناظمة لجمع بيانات الأفراد ومعالجتها ومشاركتها وحماية حقوق أصحابها.

وتختص شهادة محترف إدارة جودة البيانات بقياس دقة البيانات واكتمالها واتساقها، ومعالجة المشكلات التي تؤثر في موثوقيتها. أما شهادة مقيّم المؤشر الوطني للبيانات «نضيء»، فتركز على تقييم مستوى نضج الجهات الحكومية في إدارة بياناتها، وجاهزيتها لمعالجتها، ومدى التزامها بالضوابط الوطنية المطلوبة.

ترتبط هذه الشهادات بأخلاقيات الذكاء الاصطناعي من نقطة أساسية: الذكاء الاصطناعي يبدأ من البيانات. فالنظام يحتاج إلى بيانات يتعلم منها ويستخدمها في التحليل والتوصية واتخاذ القرار، وتؤثر دقة هذه البيانات وطريقة استخدامها وحمايتها مباشرة في جودة النتائج وسلامة استخدامها.

فإذا استخدمت جهة حكومية الذكاء الاصطناعي لترتيب أولوية المستفيدين من خدمة اجتماعية، فإن العملية تبدأ بتصنيف درجة حساسية بيانات الدخل والأسرة والحالة الصحية، ثم تطبيق نظام حماية البيانات الشخصية على استخدامها ومعالجتها، وبعد ذلك التحقق من دقتها وموثوقيتها وتحديثها قبل إدخالها إلى النظام. ويقيّم «نضيء» وجود سياسات واضحة لإدارة البيانات، وتطبيقها داخل الجهة، وتوافر الإجراءات والمسؤوليات والأدلة التي تثبت ذلك.

بهذه الصورة تصبح الشهادات الأربع جزءًا من بناء بيئة عمل أكثر جاهزية لاستخدام الذكاء الاصطناعي، عبر التأكد من كفاءة المختصين في تصنيف البيانات وحمايتها وضبط جودتها وتقييم إدارتها، وتحويل مبادئ أخلاقيات الذكاء الاصطناعي إلى ممارسات وإجراءات يومية قابلة للتطبيق والقياس.

كيف تتغير متطلبات التوظيف والتدريب بعد منتدى الرياض؟

يبدأ أثر مخرجات منتدى الرياض لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي على سوق العمل من تعريف الوظائف نفسها. إذ يضع إطار المعايير المهنية في البيانات والذكاء الاصطناعي مرجعًا وطنيًا للمهن المرتبطة بالمجال، ويوضح مهام كل دور ومستواه ومتطلبات أدائه، وهذه هي الخطوة الرسمية حتى الآن، أما كيفية استخدام إدارات الموارد البشرية لهذا المرجع في صياغة التوصيف الوظيفي، فيتوقف على تطبيق كل مؤسسة.

تستطيع الشركات الاستفادة من الإطار في تحديد الوظائف التي تحتاج إلى استحداثها أو تطويرها، ورصد الفجوات داخل فرقها، وبناء خطط القوى العاملة على صورة أوضح للسوق والمهن المطلوبة. كما يمكنها تحويل متطلبات كل دور إلى معايير للإعلان الوظيفي وفرز المتقدمين وتصميم المقابلات والاختبارات العملية.

وتضيف الشهادات المهنية أداة يمكن استخدامها لإثبات التخصص في مجالات مثل إدارة البيانات أو حوكمتها أو جودتها. وقد تدخل تدريجيًا في المراحل اللاحقة ضمن عناصر المفاضلة بين المرشحين إلى جانب الخبرة ونتائج التقييم المهني.

ينطبق الأمر نفسه على التطور الوظيفي. يمكن للمؤسسات الاستفادة من المستويات المهنية المحددة في بناء مسارات أوضح للانتقال بين الأدوار، والاستناد إلى الأداء والخبرة والتأهيل المهني والشهادات عند اتخاذ قرارات الترقية. أما تحول هذه العناصر إلى متطلبات موحدة للتوظيف أو الترقية، فلم يُعلن عنه كقاعدة عامة حتى الآن.

وعلى صعيد التدريب، تستطيع المنشآت البدء بالكفاءة التي يحتاجها الموظف في وظيفته، ثم اختيار البرنامج الذي يطورها وفق إطار معايير البرامج التدريبية التي ترتبط بجودة المحتوى، وصلته باحتياجات سوق العمل، واتساقه مع المتطلبات المهنية، ومراعاة قوانين ولوائح البيانات والذكاء الاصطناعي، إضافة إلى أخلاقيات الاستخدام والمخاطر المرتبطة بالتقنيات.

وقد بدأ التدريب بالفعل الانتقال من الإطار إلى التطبيق عبر تحكيم عشرة برامج تدريبية تنوعت من حيث الفئات المستهدفة والمستويات المهنية، من غير المتخصصين لتمكينهم من الاستفادة من أدوات الذكاء الاصطناعي في رفع الإنتاجية، إلى البرامج التخصصية التي تستهدف الممارسين في مجالات البيانات والذكاء الاصطناعي، انتهاءً ببرامج موجهة للقيادات لتعزيز قدراتهم على فهم هذه التقنيات وتبنيها وتوظيفها بفاعلية في أعمالهم.

هل تدخل الشهادات في التدقيق واختيار الموردين؟

يمكن أن توفر الشهادات الجديدة التي طرحتها سدايا في مؤتمر اليونسكو لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي في الرياض أدلة إضافية على قدرات فرق العمل التي تنفذ مشاريع البيانات والذكاء الاصطناعي، أو مسؤولي التدقيق والامتثال الذين يراجعون التزام شركة بسياسة تصنيف البيانات أو نظام حماية البيانات الشخصية.

فإذا قررت جهة ما تقييم الكفاءات البشرية لدى المورد، تستطيع الشهادات المهنية دعم إثبات تخصص أعضاء الفريق في مجالات مثل تصنيف البيانات أو حمايتها أو جودتها. ومن شأن إدراج متطلبات التأهيل المهني للكوادر  أن يحوّل الشهادات من ميزة إلى شرط تعاقدي نافذ لاختيار الموردين أو إجراءات عمليات التدقيق، من دون أن يعني ذلك أنها أصبحت شرطًا عامًا معلنًا حتى تاريخه.

ويختلف ذلك عن اعتماد مقدم خدمة الذكاء الاصطناعي الذي تمنحه سدايا لمقدمي برامج وخدمات الذكاء الاصطناعي، بعد تقييم مدى التزامهم بالمعايير والمتطلبات المرتبطة بتقديم هذه الخدمات، وتعيين مسؤول للذكاء الاصطناعي.

لذلك، عند تقييم مُوردي خدمات البيانات والذكاء الاصطناعي، من المفيد إعطاء وزن واضح لقدرة المُورد على إثبات معرفته بأطر سدايا ومتطلبات حوكمة البيانات والذكاء الاصطناعي في المملكة، وامتلاكه الاعتمادات والكوادر المؤهلة ذات الصلة. فالمُورد الذي بدأ مواءمة أعماله وفريقه مع هذه المرجعيات يكون أكثر استعدادًا لمتطلبات المشروع المحلية، ولأي شروط تأهيل أو تعاقد قد تظهر مستقبلًا.

مؤشرات يجب أن تراقبها الشركات حتى سبتمبر 2027

خلال العام التالي لإطلاق هذه الأطر، تستطيع الشركات السعودية متابعة مجموعة من المؤشرات لمعرفة ما إذا كانت الأطر والشهادات التي أعلنتها سدايا تنتقل تدريجيًا من مرحلة المرجعيات الوطنية إلى التطبيق داخل سوق العمل، ما يساعد إدارات الموارد البشرية والتدريب والمشتريات والامتثال على الاستعداد مبكرًا للتغيرات المحتملة، ومن أبرز هذه المؤشرات:

  • دخول المهن والكفاءات والشهادات الجديدة في الأوصاف الوظيفية، ومعايير الاختيار، وتقييم الأداء، ومتطلبات الترقيات والتأهيل المهني.
  • انعكاس أطر التعليم الجامعي والبرامج الأكاديمية على استقطاب الخريجين، سواء في برامج التدريب التعاوني والتوظيف المبكر، أو في شراكات الشركات مع الجامعات وبرامج إعداد المواهب.
  • اعتماد إطار معايير البرامج التدريبية عند اختيار التدريب الداخلي والخارجي، بحيث تصبح جودة المحتوى وارتباطه بالمهن واحتياجات سوق العمل والأنظمة الوطنية عوامل إلزامية في تقييم البرامج.
  • إدراج الكفاءات والشهادات ضمن متطلبات المنافسات وتأهيل الموردين، مثل طلب مختصين مؤهلين ضمن فرق مشروعات البيانات والذكاء الاصطناعي، أو التحقق من كفاءة فرق مزودي الخدمات.

في الختام تكمن أهمية المنتدى في أنه رسم المبادئ وأوجد أدوات يمكن البناء عليها، بينما ستكشف القرارات والتنظيمات والممارسات التي تصدر لاحقًا أيًّا منها سيتحول إلى متطلب رسمي، وأيًّا منها سيبقى معيارًا استرشاديًا أو ممارسة تتبناها الجهات بحسب احتياجاتها.