هل تحتاج شركتك إلى أداة جاهزة أم حل مُصمم خصيصًا؟
مع اتساع حضور الذكاء الاصطناعي في العمليات اليومية للشركات، تتحول المسألة من مجرد اختيار أداة إلى قرار تقني وتشغيلي أعمق: هل تُطور الشركة نظامًا مخصصًا يعتمد على بياناتها واحتياجاتها، أم تُكيّف منتجًا قائمًا، أم تعتمد على حل جاهز من السوق؟
والإجابة الفارقة هنا تعتمد على عدة عوامل مرتبطة بالشركة، وحجم عملياتها اليومية، وبياناتها الداخلية، ومهارات الفريق، والهدف الذي تسعى لتحقيقه، إلى جانب الوقت والتكلفة اللازمين للتنفيذ والتشغيل.
لذلك، لم يعد السؤال نبني أم نشتري؟ بل يجب أن ندرس طبيعة الاحتياج وتحديد مستوى الحل الذي يحقق القيمة المطلوبة بأفضل توازن بين السرعة، والتكلفة، والمرونة، والقدرة على التحكم.
لماذا لم يعد السؤال مجرد نبني أم نشتري؟
يوضح تقرير McKinsey، أن 32% من المؤسسات المشاركة في الاستبيان قررت عدم شراء منتج أو ميزة برمجية واحدة على الأقل، لأنها استطاعت بناء الوظيفة داخليًا باستخدام أدوات برمجة وكيلة. وترتفع النسبة إلى 41% في شركات التقنية، و39% في الرعاية الصحية، و38% في الخدمات المهنية وقطاع الطاقة والمواد، مقابل 17% في القطاع العام والاجتماعي.
توضح هذه الفروقات أن القرار يختلف باختلاف طبيعة القطاع واحتياجاته؛ حساسية البيانات، وتعقيد العمليات، ومتطلبات الامتثال، وقدرة المؤسسة على تطوير الحل وتشغيله، كلها عوامل تؤثر في مستوى الحل الذي تختاره. لذلك، لا يوجد مسار واحد يناسب جميع المؤسسات.
لكن سهولة البناء بالذكاء الاصطناعي قد توقع بعض الفرق في فخ تكلفة المنتج الداخلي؛ إذ يبدو تطوير أداة خلال أيام وتشغيلها على البنية السحابية القائمة أوفر من دفع اشتراك شهري. غير أن هذه المقارنة تغفل تكاليف لا تظهر إلا بعد الإطلاق، أبرزها:
- التشغيل بالمستوى نفسه: الوصول بالأداة الداخلية إلى أداء المنتج الجاهز واستقراره يتطلب قواعد بيانات وخوادم وسعة شبكة وطلبات نماذج، بتكلفة شهرية مستمرة. وتضاف إليها المراقبة والنسخ الاحتياطي، حتى مع وجود بنية سحابية مسبقًا، وقد يتجاوز مجموع ذلك قيمة الاشتراك نفسه.
- مخاطر التوقف: قد تتعطل الأداة فجأة في وقت حساس، فيُهدر وقت الفريق، ويتأخر التسليم، وتنشأ مشكلات مع العملاء. وهذه خسائر قد تفوق كلفة الاشتراك في منتج جاهز يلتزم باتفاقية مستوى خدمة (SLA) واضحة تحدد نسبة التشغيل وزمن الاستجابة للأعطال.
- التطوير المستمر: تبدأ الأداة بوظيفة واحدة، ثم تتراكم حولها تفاصيل صغيرة كثيرة: صلاحيات، وتقارير، وتكاملات، وحالات استثنائية. ويضطر الفريق إلى دعمها تدريجيًا، فتستنزف وقته باستمرار وعلى حساب منتجات الشركة الأساسية، حتى تتجاوز كلفة دعمها كلفة الاشتراك في منتج جاهز.
في المقابل، لا يعني ذلك أن تكلفة الشراء محسومة سلفًا؛ فقد كشف تحليل نشرته منصة ITPro، استنادًا إلى مقابلات مع محللين من Gartner وIDC وForrester، أن شراء البرمجيات المؤسسية بات أكثر تعقيدًا رغم انخفاض تكلفة البناء.
والسبب أن نماذج التسعير القائمة على الاستهلاك جعلت التنبؤ بالتكلفة الفعلية للأداة الواحدة أصعب؛ فوكيل ذكي واحد قد يُطلق سلسلة من الطلبات إلى خدمات وتطبيقات أخرى، فترتبط التكلفة بطريقة الاستخدام وحجمه، لا بعدد المستخدمين وحده.
لذلك، ينبغي أن تُقارن الخيارات بالتكلفة الكلية للملكية على مدى زمني موحّد، وعند حجم استخدام ومستوى خدمة متقاربين. ويشمل ذلك التطوير والتشغيل والصيانة والدعم والاستخدام والتكامل، مع حساب كلفة التوقف المحتملة. وهذا يربط تقييم كل خيار بطبيعة العملية نفسها، لا بكونه منتجًا جاهزًا أو حلًا مخصصًا.
كيف تحدد مستوى الحل المناسب لاحتياج شركتك؟
اطلعت على ورقة بحثية بعنوان The Buy-or-Build Decision, Revisited، وقد اقترحت تصنيف التطبيقات المؤسسية لأربع تصنيفات بناء على ثلاثة أبعاد، التعقيد، والتخصيص، والامتثال، ووفقًا لذلك تختلف الاحتياجات بين أدوات عامة يمكن استخدامها كما هي، وتطبيقات تحتاج إلى تخصيص وربط ببيانات وأنظمة الشركة، وصولًا إلى أنظمة أكثر تعقيدًا وحساسية قد تتطلب قدرًا أكبر من التحكم والتطوير الداخلي.
هذا يترجم عمليًا إلى ثلاثة مسارات أمام أي شركة:
- شراء أداة جاهزة عندما يكون المطلوب عامًا ومشتركًا بين الشركات.
- تخصيص منتج قائم وربطه بالأنظمة الداخلية حين تحتاج الشركة إلى مواءمته مع عملياتها وبياناتها.
- بناء حل مخصص بالكامل حين تكون العملية شديدة الخصوصية أو مصدر ميزتك التنافسية.
بالإضافة لما سبق، لم يعد اختيار البناء يعني ملكية كاملة بلا اعتماد على أحد. الذكاء الاصطناعي حوّل خيار البناء من حوكمة داخلية بحتة، إلى نموذج هجين يجمع بين ملكية الكود والبيانات، واعتماد فعلي على بنية تحتية خارجية من مزودي نماذج الذكاء الاصطناعي.
وإلى جانب هذه التبعية، يقع كثيرون عند التفكير في البناء في مغالطة الجهد والجودة؛ فقد ينجح الفريق في تقليد الوظيفة الأساسية لمنتج جاهز خلال أيام بمساعدة الذكاء الاصطناعي، ويفترض أنه أصبح يمتلك منتجًا بالمستوى نفسه، ويمكنه العودة إلى مهامه المعتادة. لكن نجاح النسخة الأولية لا يعني قدرتها على تقديم مستوى مماثل من الاعتمادية والأمان، أو التعامل مع الحالات الاستثنائية عند الاستخدام الفعلي.
وتشير الورقة البحثية نفسها إلى أن أدوات الذكاء الاصطناعي متاحة أيضًا لموردي البرمجيات، الذين يستطيعون توظيفها في تطوير منتجاتهم وتوسيع وظائفها وتحسين تكاملها باستمرار. ويعمل هؤلاء على منتجاتهم بتفرغ كامل، لا كمهمة جانبية إلى جوار عملهم الأساسي. لذلك، ينبغي أن تشمل المقارنة جودة النتائج واستقرار التشغيل والتعامل مع الأخطاء والحالات غير المعتادة، بدل الاكتفاء بتشابه الوظائف أو سرعة بناء النسخة الأولى.
متى يكون المنتج الجاهز القرار الأبسط والأكثر كفاءة؟
المنتجات الجاهزة هي الحلول التي تصممها شركات الذكاء الاصطناعي وتكون متاحة لكافة المستخدمين، ومثال على ذلك أدوات إنشاء المحتوى مثل ChatGPT، ومولدات النصوص مثل Jasper، ومساعدات الكتابة مثل Grammarly. وتتيح هذه المنتجات استخدام وظيفتها الأساسية دون بناء نظام خاص من الصفر، وإن كانت بعض المنتجات المؤسسية الجاهزة قد تحتاج إلى إعداد وربط بالبيانات والأنظمة قبل تشغيلها.
يسهل استخدام هذه الأدوات دون الحاجة لأي إعدادات متقدمة، ولا خبرة تقنية، وتسرع من العمليات اليومية البسيطة، هذه عمليات عامة، متشابهة بين شركة وأخرى، ولا تمثل ميزة تنافسية لأي شركة تستخدمها. هنا يكون المنتج الجاهز هو الخيار الأكثر كفاءة من حيث السعر وسهولة الإعداد والتكامل.
متى يكون تخصيص المنتج وربطه بأنظمة الشركة كافيًا؟
بين الشراء الكامل والبناء الكامل، توجد منطقة وسطى غالبًا ما تتجاهلها الشركات وهي أخذ منتج قائم وربطه ببيانات المؤسسة وأنظمتها الداخلية.
على سبيل المثال، إذا أرادت شركة إنشاء مساعد ذكاء اصطناعي يجيب عن أسئلة العملاء اعتمادًا على سياساتها وإجراءاتها الخاصة، فهي لا تحتاج بالضرورة إلى بناء نموذج لغوي من الصفر. قد يكون المطلوب هو استخدام نموذج قائم، ثم إعداد قاعدة المعرفة التي يعتمد عليها، وربطها بالمصادر المناسبة، وضبط آلية الاسترجاع، والصلاحيات التي تحدد ما يمكن لكل مستخدم الوصول إليه.
وهذا هو المستوى الذي يمكن أن تظهر فيه قيمة حلول مثل راجِح، عندما تكون الحاجة هي تمكين النموذج من الوصول إلى معرفة المؤسسة بطريقة أكثر موثوقية، مع مراعاة مصادر المعرفة وحوكمتها بدل التعامل مع النموذج كأداة عامة منفصلة عن سياق الشركة.
متى يصبح الحل المخصص مبررًا اقتصاديًا أو استراتيجيًا؟
هذا الخيار هو الأصعب، لكن أصبح أكثر قابلية للتنفيذ بفضل انخفاض تكلفة البناء. ولكي يصبح هذا الخيار هو الحل الأمثل يجب أن تجتمع عدة عوامل وأهمها:
- أن تكون العملية شديدة الخصوصية أو تمثل ميزة يصعب تقليدها.
- ألا تحقق المنتجات القائمة المتطلبات المطلوبة حتى بعد التخصيص والتكامل.
- أن يبرر العائد المتوقع من التحكم الإضافي تكلفة التطوير والتشغيل والصيانة.
- أن تمتلك المؤسسة قدرة مستدامة على تشغيل الحل وتقييمه وتطويره.
على سبيل المثال منصة تجارة إلكترونية تعتمد على بياناتها الخاصة، وتؤثر مباشرة في تجربة العميل أو في طريقة تقديم الخدمة، فقد يكون من المنطقي امتلاك حل مخصص بدلًا من الاعتماد بالكامل على منتج عام.
لكن تبرير البناء لا يتوقف عند أهمية العملية؛ إذ يجب أيضًا النظر إلى تكلفة التطوير والتشغيل والصيانة، والوقت اللازم للوصول إلى حل قابل للاستخدام، وقدرة الشركة على امتلاك هذا الحل وتطويره على المدى الطويل. لذلك، يصبح البناء منطقيًا عندما تكون القيمة التي يضيفها الحل المخصص أكبر من تكلفة وتعقيد بنائه وتشغيله.

أين يختلف القرار فعليًا؟ جولة في 3 قطاعات
الرعاية الصحية
أتاحت Google نموذج Med-PaLM 2، وهو نموذج مدرَّب خصيصًا للمجال الطبي، لعدد محدود من عملاء Google Cloud لاختبار استخداماته في الرعاية الصحية. ورغم تجاوزه 85% في أسئلة بنمط اختبار الترخيص الطبي الأمريكي، أوضحت Google أن هذا الأداء لا يكفي وحده، وأنها ما زالت تستكشف طرق استخدامه بصورة آمنة ومسؤولة.
فإذا كان نموذج طبي متخصص يحتاج إلى هذا القدر من التقييم قبل التوسع، فالمؤسسة الطبية أحوج إلى حل يُختبَر على حالات استخدامها ويُربط ببياناتها وضوابطها، بدل الاكتفاء بنموذج جاهز كما هو.
وعلى صعيد آخر، لا تحتاج كل العمليات الصحية إلى بناء حل مخصص؛ فمهام مثل جدولة المواعيد، والرد على الاستفسارات العامة، وتنظيم بعض إجراءات التواصل مع المرضى يمكن أن تستفيد من أدوات جاهزة أو حلول قائمة يمكن تخصيصها.
القطاع القانوني
يمثل القطاع القانوني مثالًا واضحًا على وجود منطقة وسطى بين الأداة العامة والحل المبني بالكامل داخل المؤسسة. لكن مؤخرًا وجدت أدوات الذكاء الاصطناعي الجاهزة مساحة للمشاركة من خلال مراجعة العقود والبنود، والبحث القانوني وأشهرهم أداة CoCounsel وأداة Harvey.
هذا يوضح أن المؤسسات القانونية لا تحتاج بالضرورة إلى بناء نظام من الصفر حتى تعمل على بياناتها ومعارفها الخاصة. يمكن أن يكون المنتج المؤسسي القابل للتخصيص هو نقطة البداية، ثم تُضاف إليه المعرفة والبيانات والتكاملات والضوابط التي تتطلبها طبيعة المؤسسة.
أما المؤسسات التي تتعامل مع قضايا شديدة التخصص والحساسية، فقد تحتاج إلى تخصيص أعمق يربط المنتج بمعرفة المؤسسة ووثائقها وملفات القضايا السابقة وسياساتها الداخلية، أو إلى حل مخصص عندما لا تحقق المنتجات القائمة متطلبات التكامل والحوكمة المطلوبة
الخدمات المالية
تعتمد الخدمات المالية دائمًا على الدقة، خاصة عند إدارة المليارات من الأصول، لذا نجد جي بي مورغان تشيس JPMorgan Chase وهي أكبر مؤسسة مصرفية بأمريكا؛ قد استثمرت في تبني الذكاء الاصطناعي ليدخل ضمن كافة عملياتها تقريبًا. وهو ما ساعد المؤسسة على توفير 2 مليار دولار سنويًا طبقًا لتصريحات الرئيس التنفيذي جيمي ديمون عبر شبكة بلومبرغ.
في الوقت نفسه، اعتمدت الكثير من البنوك الكبرى أدوات كشف احتيال مدعومة بالذكاء الاصطناعي وهذه الأنظمة خفّضت معدلات الإنذارات الكاذبة حتى 40% و60%.
الفارق بين المثالين واضح؛ كشف الاحتيال عملية شبه عامة يمكن للأدوات الجاهزة التعامل معها بكفاءة، أما دعم العمليات التشغيلية للمؤسسات المالية بحجم مورغان تشيس فمرتبط ببيانات وعلاقات فريدة بالبنك نفسه، ولا يمكن لأي منتج جاهز محاكاتها.
القرار لا يُتخذ مرة واحدة
الآن بدلًا من طرح سؤال نبني أم نشتري؟ مباشرةً، جرب طرح هذه الأسئلة على فريقك:
- هل العملية عامة ومشتركة بين شركات كثيرة، أم خاصة بطريقة عملك؟
- هل تمثل مصدر تميّزك التنافسي فعليًا؟
- ما مستوى التكامل الذي تحتاجه مع أنظمتك الحالية؟
- ما درجة حساسية البيانات المرتبطة بها؟ ما السرعة المطلوبة لإطلاق الحل؟
- ما التكلفة الكلية المتوقعة على مدى عدة سنوات، وليس فقط تكلفة الإطلاق الأولى؟
- هل يملك فريقك فعليًا القدرة على تشغيل هذا الحل وصيانته باستمرار؟
تساعد هذه الأسئلة على بناء محفظة من القرارات بدل البحث عن إجابة واحدة لكل استخدامات الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسة. فقد تكون الأداة الجاهزة مناسبة لوظيفة عامة، بينما تحتاج وظيفة أخرى إلى تخصيص منتج قائم وربطه ببيانات الشركة، وقد تتطلب عملية ثالثة بناء مكونات خاصة عندما لا تحقق الحلول المتاحة المتطلبات المطلوبة.
لذلك، لا ينبغي أن يكون القرار ثابتًا، بل يُراجع مع تغير احتياجات الشركة وتقنياتها، وتطوير منتجاتها، وتغير تكلفة التطوير والتشغيل، وبناء على ذلك قد يتغير الحل المناسب للعملية.
فالهدف ليس أن تبني الشركة كل شيء بنفسها، ولا أن تشتري كل شيء جاهزًا، وإنما أن تحدد أين تحتاج إلى استخدام ما هو متاح، وأين تحتاج إلى تخصيصه، وأين يستحق امتلاك الحل وتطويره داخليًا.