حين يصبح بناء المنتج الرقمي سهلًا، أين تختبئ الميزة التنافسية؟
«في العالم الرقمي المتسارع» تلك الجملة التي تبدأ بها دائمًا المقالات المُصاغة بالكامل بالذكاء الاصطناعي؛ ولكنها في واقع الأمر حقيقية. العالم الرقمي متسارع بالفعل؛ فحين اخترق الذكاء الاصطناعي عالم الأعمال تمكن من أن يشكل قطاعًا منها - ولا أقصد هنا شركات النماذج - بل الشركات التي تطور منتجات رقمية بالذكاء الاصطناعي.
أداة الذكاء الاصطناعي التي أصبحت متوفرة لدى الكثير من الأفراد والشركات، جعلت الخروج بنسخة أولية ومنتج رقمي أمرًا ممكنًا لمجموعة واسعة من الأفراد والشركات؛ ما تسبب في أمرين لشركتك: السلبي أن بناء المنتجات الرقمية أصبح أسهل، فكيف ستتميز شركتك في وسط هذا الزحام التنافسي؟ أما الإيجابي فهو أن الأفكار الإبداعية أصبحت أسهل في الخروج إلى العالم وأصبح لها مساحة للنمو.
الخندق التنافسي
مفهوم الخندق التنافسي (Competitive Moat) هو أي ميزة أو مجموعة من المزايا تجعل من الصعب والمكلف على المنافسين تقليد قيمة الشركة أو سحب عملائها منها، وتساعد الشركة على الحفاظ على تفوقها لفترة طويلة. التعبير مأخوذ من الخندق المائي حول القلاع، فالفكرة أن الشركة تبني حول أعمالها حاجزًا يحميها من المنافسة.
ولمعرفة أين تُحفر هذه الخنادق في الذكاء الاصطناعي، يمكن النظر إلى الصناعة بوصفها طبقات متراكبة: تبدأ بطبقة البنية التحتية التي تضم الرقائق ومراكز البيانات والحوسبة السحابية، وتعلوها طبقة النماذج الأساسية التي تطورها شركات مثل OpenAI وGoogle وAnthropic، ثم تأتي في القمة طبقة التطبيق التي يصل منها الذكاء الاصطناعي إلى المستخدم.
يمكن بناء تلك الخنادق من خلال طبقة التطبيق، وهي الجزء الذي يراه المستخدم ويتعامل معه مباشرةً، وما يربط الذكاء الاصطناعي باحتياج عملي محدد. في استطلاع شمل نحو 300 مسؤول تنفيذي يبنون منتجات ذكاء اصطناعي، قال 49% منهم أن مصدر التميز الأساسي لديهم يأتي من طبقة التطبيق. بالتالي يمكن حفر تلك الخنادق من خلال:
- توظيف البيانات: كيف تُستخدم بيانات الشركة أو العميل لتقديم نتيجة أفضل؟
- سير العمل: أين يدخل المنتج ضمن خطوات العمل الفعلية؟
- تجربة المستخدم: كيف يتفاعل العميل مع المنتج؟
- التكاملات: كيف يتصل بأنظمة مثل CRM وERP والبريد وقواعد البيانات؟
- الخصائص والمنطق التشغيلي: ما الذي يفعله المنتج فعليًا لحل مشكلة محددة؟
البيانات كأصل استراتيجي
داخل كل شركة يتراكم تاريخ من قرارات العملاء، والحالات السابقة، وخبرة الموظفين، والبيانات التشغيلية، والاستثناءات التي تعلمت المؤسسة كيفية التعامل معها. المعرفة لا تصبح خندقًا تنافسيًا لمجرد أن الشركة تمتلكها؛ بل عندما تستطيع التقاطها وتنظيمها واستخدامها لتحسين المنتج وسير العمل.
كيف تُفعّلها الشركة؟
- تصميم الأنظمة بحيث تلتقط هذه البيانات وتثريها وتحافظ عليها باستمرار.
- الاهتمام بالبيانات غير المنظمة التي لم يكن من السهل استخدامها سابقًا.
- بناء حلقات تغذية راجعة تجعل المنتج يستفيد من الاستخدام السابق.
- حماية البيانات والتعامل معها كأصل استراتيجي.
- إدخال هذه البيانات في سير العمل نفسه، بحيث يصبح النظام أكثر قيمة بمرور الوقت.

الاندماج في سير العمل
كما هو الأمر عند تطوير منتج رقمي بالذكاء الاصطناعي، يمكن تطوير مجموعة من المزايا أو الخصائص من خلال نفس الأداة. بالتالي عند تطوير ميزة جديدة؛ نضع سؤالًا «إذا اختفت خاصيتنا غدًا، هل يستطيع العميل استبدالها بأداة أخرى فورًا، أم سيضطر إلى إعادة ترتيب جزء من طريقة عمله؟» كلما كانت الإجابة أقرب إلى الثانية، كان موقع المنتج داخل سير العمل أقوى، وأصبح تقليده أصعب حتى لو كان تقليد خصائصه ممكنًا.
وذلك لأن الانتقال إلى منافس آخر قد يتطلب إعادة بناء التكاملات، ونقل البيانات، وتغيير الإجراءات، وتدريب المستخدمين من جديد. ويتحقق ذلك عندما ترتبط الميزة بأنظمة العميل وبياناته وإجراءاته، ويتكيف الموظفون مع استخدامها ضمن عملهم اليومي.
تقدم فولكس فاغن مثالًا عمليًا كعميل يستخدم ميزة يصعب استبدالها من أمازون؛ فمساعد الصيانة لديها لا يكتفي بالإجابة عن الأسئلة، بل يمنح الفنيين البيانات التقنية التي يحتاجون إليها في أثناء تشخيص الأعطال، ضمن منصة مرتبطة ببيانات الإنتاج وحوكمتها. هنا تأتي القيمة من وجود الذكاء الاصطناعي في اللحظة التي يُنجز فيها العمل، لا من وجود روبوت محادثة في حد ذاته.
تجربة المستخدم: الخندق التنافسي (التقليدي)
قد تبدو تجربة الاستخدام كأحد المزايا التنافسية التقليدية، لكنها ومع التحول الذي حصل في كيفية تطوير المنتجات الرقمية، أصبح التميز فيها يعتمد على مجموعة من المزايا التنافسية الأخرى. لأن تحسين تجربة العميل تتطلب مجموعة من الرؤى:
- معرفة المهمة التي يريد العميل إنجازها وتصميم الطريق الأقصر والأوضح إليها.
- دراسة نقاط الاحتكاك عبر رحلة المستخدمين لدى المنافسين والعمل على حلها.
- الاستماع إلى العميل والاهتمام بالتغذية الراجعة كأصل للبيانات يبنى عليه عند تحسين التجربة.
بالتالي قد يمتلك المنافس الخاصية نفسها، لكن يصعب عليه تقليد تجربة بُنيت على فهم متراكم لسلوك العميل، وأزيل منها الاحتكاك عبر الرحلة كاملة، ثم تُقاس وتتحسن باستمرار.
العمل على معايرة الثقة
تنتشر حالة من عدم اليقين تجاه المنتجات الرقمية، وخصوصًا تلك المعتمدة على الذكاء الاصطناعي، ما يجعل الثقة عنصرًا مهمًا في تجربة الاستخدام ومصدرًا محتملًا للتميز. فكلما ازدادت ثقة العميل بالمنتج، قلت رغبته في استبداله، ويصبح الانتقال إلى بديل أصعب، خاصةً عندما تتراكم حول المنتج عادات استخدام وبيانات وتكاملات داخل سير العمل.
وفقًا لدليل ميكروسوفت «إرشادات تصميم التفاعل بين الإنسان والذكاء الاصطناعي» فإنه لا يكفي أن يعطي الذكاء الاصطناعي نتيجة جيدة؛ يجب أن يساعد المستخدم على معرفة متى يثق بهذه النتيجة، وماذا يفعل عندما تكون خاطئة، وكم من السيطرة يظل في يده.
لذلك الثقة الجيدة ليست أن يشعر المستخدم بأن النظام «لا يخطئ»، بل أن يفهم حدوده ويعرف متى يمكن الاعتماد عليه ومتى يحتاج إلى التحقق. Google PAIR تسمي هذا معايرة الثقة؛ أي بناء مستوى مناسب من الثقة، لا ثقة عمياء. على سبيل المثال؛ بدل أن يعرض نظام تحليل عقود إجابة وكأنها حقيقة نهائية، قد يعرض معها المصدر الذي استند إليه، أو يوضح درجة عدم اليقين، أو يسمح للمستخدم بفتح الفقرة الأصلية والتحقق منها.
طبقات التكامل
يعني التكامل أن يصبح جزءًا من البيئة التي يعمل داخلها العميل أصلًا. يبدأ ذلك من تكامل البيانات، بحيث يصل المنتج إلى المعلومات المناسبة من مصادر مختلفة، ثم تكامل الأنظمة بالاتصال بأدوات مثل CRM وERP والمنصات المستخدمة داخل الشركة، ثم تكامل سير العمل بحيث يدخل المنتج في الخطوات اليومية لإنجاز المهمة بدل أن يظل أداة منفصلة.
ويكتمل ذلك على مستوى رحلة العميل عندما ترتبط هذه الخطوات والقنوات في تجربة واحدة متماسكة. عندها لا يعود التكامل ميزة تقنية جانبية، بل جزءًا من قيمة المنتج نفسه؛ لأن تقليد الخاصية قد يكون سهلًا، بينما إعادة بناء شبكة البيانات والأنظمة وسير العمل والعلاقات التي تراكمت حولها تتطلب وقتًا وفهمًا أعمق لعمل العميل.
أربعة أسئلة لاختبار ميزتك الحقيقية

إذا كان من الممكن لمنافسك استخدام النموذج والمنصة نفسيهما، يمكن اختبار مصدر التميز بأربعة أسئلة:
1. ماذا تعرف عن عميلك لا يعرفه المنافسون؟
ليس المقصود معلوماته الشخصية، بل طبيعة المهمة التي يؤديها، والقرارات التي يتخذها، والاستثناءات التي يواجهها، وما الذي يعتبره نتيجة جيدة.
2. ما المعرفة التي تتراكم لديك مع كل عملية استخدام؟
هل تحتفظ الشركة بأمثلة موثوقة، وقرارات سابقة، وبيانات تشغيل، وقواعد وسياسات تجعل المنتج أكثر ملاءمة للسياق مع مرور الوقت؟
3. ماذا سيضطر المنافس إلى إعادة بنائه كي يحل محلك؟
إذا كانت الإجابة «واجهة مشابهة»، فالحاجز ضعيف. أما إذا كان يحتاج إلى إعادة بناء تكاملات وبيانات وسير عمل وثقة تراكمت بمرور الوقت، فالمنافسة تصبح مختلفة.
4. كم يستغرق انتقال ما تتعلمه إلى المنتج؟
الميزة ليست في جمع الملاحظات، بل في قدرة الشركة على تحويلها إلى تحسين موثوق في المنتج والعملية قبل أن يفعل المنافس ذلك.
على سبيل المثال يمكن لأي شركة استخدام الذكاء الاصطناعي لبناء مساعد يجيب عن استفسارات العملاء، لكن تجربة Intercom مع مساعدها Fin توضح كيف يمكن بناء ميزة تنافسية تتجاوز القدرة على توليد الإجابات، من خلال العناصر الأربعة السابقة.
فمعالجة استفسار العميل تتطلب فهم مشكلته وطبيعة الأسئلة التي يطرحها وسياسات الشركة والحالات التي تستدعي تدخل الموظفين. ومن خلال المحادثات المتكررة، تستطيع فرق الدعم تحديد الأسئلة التي يعجز المساعد عن حلها، وتطوير قاعدة المعرفة، وتحسين طريقة التعامل مع الاستفسارات الجديدة، والإجراءات المستخدمة لمعالجتها.
وقد دمجت Intercom هذه العملية في عمل فريقها، فخصصت مسؤولين لإدارة المعرفة وتصميم المحادثات، وربطت تطوير المحتوى بإطلاق الميزات الجديدة، وأنشأت آليات لتوجيه الحالات المعقدة إلى المختصين.
وهكذا، يستطيع المنافس بناء مساعد مشابه، لكنه يحتاج إلى معرفة متراكمة بمشكلات العملاء، وإجراءات متكاملة لمعالجتها، وفريق يحوّل الملاحظات إلى تحسينات مستمرة.
قد يكون الخطأ في عصر الذكاء الاصطناعي محاولة البحث عن التميز داخل الذكاء الاصطناعي وحده؛ مثل نموذج أحدث، أو مساعد إضافي، أو خاصية يستطيع المنافس إضافتها بدوره. ولكن ما يضع منتجك في وسط خنادق تنافسية هو النظر إلى الأصول التي تمتلكها شركتك ثم استخدام التقنية لتقويتها؛ معرفة أعمق بالعميل، وبيانات أفضل، وخبرة مؤسسية منظمة، وعلاقات داخل سير العمل، وقدرة أسرع على التعلم.